محمد ابو زهره
634
خاتم النبيين ( ص )
رحمة النبي القائد صلى اللّه تعالى عليه وسلم 431 - إن القائد الذي يسير وراءه الجيش ، ويقدم روحه بين يديه ، ويقدم معه على مواقع الردى غير هياب ولا وجل ، هو القائد الرحيم الذي يحمى الجند من ورائه بأن يحنو عليهم كما يحنو الأب على أبنائه ، فإذا قدمهم للاستشهاد فلمقصد أسمى ، يقدم نفسه فيه أمامهم . وليس القائد المظفر هو الذي يقدم جيشه إلى الميدان ، كما يقدم أدوات الحرب ، ومعدات القتال ، من غير قلب يرحم ، وينسى أن الجيوش قلوب تقدم ، وأرواح تتقدم فداء للمعنى الإنسانى العالي الذي تقاتل من أجله ، وتخوض له مشتجر السيوف ، وتلقى بالحتوف نصرا له ، وتأييدا لكلمة الحق ، إن هذا النوع من القواد الجامدين الذين يحسبون الحرب تخطيطا وليست رحمة ، أو تلابسها رحمة لا ينتصر ، وإن انتصر مرة ، لا يعاوده النصر مرة أخرى ، لأنه لا يجد جندا ينصرونه ، ولقد رأينا ممن يحسبون أنفسهم قواد الحرب من يرى صرعى جيشه في الصحراء ، ولحومهم تنهشها ذئابها ، ويقول غير حزين : هكذا الحرب . ولذلك توالت هزائمه . ولقد كان بونابرت قائدا مظفرا حتى عاد إلى فرنسا ، وترك جنده في روسيا يأكلهم الثلج ، وقد أذاقهم لباس الجوع ، فكان ذلك مفتاح هزيمته ، وما انتصر من بعد ذلك انتصارا حاسما . وإن محمدا صلى اللّه تعالى عليه وسلم كان المثل السامي لرحمة القائد بجنده ، كأنهم قطع من نفسه ، ولقد زكى اللّه سبحانه وتعالى هذه الرحمة المحمدية النبوية ، فقال اللّه سبحانه وتعالى : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ ، لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ، وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ، فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ( آل عمران - 159 ) . وقد بدت رحمة النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بجنده في أحد وعقب الجروح التي أصابت الجيش الإسلامي ، فما وجه لوما لأحد ، وما جال بخاطره أن يحاكم المقاتلين لأخطاء وقعت ، بل كل همه في الميدان أن يسترد الموقف لأصحابه ، وأن يقفوا ، ولا يخروا صرعى أمام أعدائهم ، بل ارتقى بهم إلى الهضبة وأعطى الراية من يحملها بحقها ، وناضل ، وقاوم ، حتى أيأس المشركين من أن يستأصلوا المؤمنين ، بل خافوا منهم ، وأنهوا القتال وإن لم يكونوا مدحورين ، خشية أن يندحروا ، إذ رأوا جند رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم قد اشتد بأسهم في القتال مع هذه الجراح التي جرحوها . وعفا عنهم ، ليستبقى نخوتهم وبأسهم لما يأتي ، وإن لم يكن ما وقع لا يسر ، بل كان يضر ، ولم يكتف عليه الصلاة والسلام بالعفو ، بل استغفر لهم بأمر ربه .